الدكتور جاسم الحلفي يغوص في اعماق البنية الثقافية والفكرية للمتنفذين في السلطة، ويمسك بخيوط (المؤامرة)!
13 فبراير 2020

الدكتور جاسم الحلفي يغوص في اعماق البنية الثقافية والفكرية للمتنفذين في السلطة، ويمسك بخيوط (المؤامرة)!


المؤامرة في عقول المتنفذين فقط

جاسم الحلفي

يحلو لمن لا ينظرون إلى الانتفاضة الشعبية السلمية باعتبارها انتفاضة مواطنين احرار من اجل وطن يحفظ كرامة مواطنية،  يحلو لهم وصفها بالمؤامرة الخارجية. فطغمة الحكم لا تبصر حجم ظلمها، لذلك ترمي من يقف في وجهها بالعمالة للأجنبي. كما لا تعترف بان الشبيبة العراقيين لم يعودوا يصبرون على فسادها ونهبها للمال العام، فتحاول إخفاء فضيحتها باتهام المنتفضين بالارتباط بأجندات أجنبية.

المرتبطون بطغمة الفساد لا يقفون مكتوفي الايدي فيما الانتفاضة الباسلة توجه لهم الضربات. لا يستسلمون مع اتباعهم لمصيرهم المحتوم جزاء ما اقترفوا من جرائم سرقة المال العام والاستحواذ على الوظائف العامة دون وجه حق ودون اهتمام بمعايير العدالة.

لكن عقول “مفكري” المتنفذين عجزت عن ادراك التحولات الجارية وفهم أسباب اندلاع الانتفاضة ورؤية مآلها، لذا وعلى عادة كسالى الفكر وقاصريه، يلجأون الى تهمة المؤامرة فهي اسهل ما يستطيعون انتاجه.

وكم هو مضحك ان تجد ابواق طغمة الحكم تملأ وسائل الاعلام ضجيجا، وهي تخرج باستنتاج مفاده ان الانتفاضة مؤامرة تهدف الى افشال الاتفاقية العراقية الصينية! ويستمرون في تحليلهم الهزيل زاعمين ان خيوط المؤامرة تم نسجها في واشنطن، كجزء من الصراع الصيني الأمريكي على اقتصاديات العراق.

لا احد ينكر ان العراق وبسبب حكامه لا غيرهم، وقع فريسة للصراع الدولي والإقليمي على موقعه الاستراتيجي وموارده الطبيعية والمالية. لكن هذا الصراع ان جرى النظر اليه خارج الصراع الداخلي فستكون نتائجه هزيلة، لا تقنع ذا عقل.

بليدة هي العقول “الاستراتيجية” التي تنظر الى بلدنا كما الى وحدة صغيرة من وحدات صراع المصالح الدولية، بعيدا عن الفواعل الداخلية ومنها كفاح شعبنا من اجل الاستقرار والتنمية والبناء. فلا يمكن لدراسة موضوعية ان تفهم الانتفاضة من دون تقصي أبعادها الداخلية، بدءا ببنى النظام المتهالكة بسبب المحاصصة والفساد، مرورا بالامن المنفلت نتيجة عدم قدرة الدولة على احتكار السلاح، ووصولا الى الوضع المعيشي والحياتي المزري وغياب العدالة واتساع نطاق البطالة، وما يجري في اطار ذلك من صراع يومي.

ولعل اسهل أمر عند أصحاب نظرية المؤامرة، هو اطلاق الاحكام المسبقة والاتهامات الجاهزة، مثلما سارت عليه الأنظمة الفاشلة ومفكرو الاستبداد من نعت كل من يقف ضد الظلم والطغيان بالعمالة والتبعية للاجنبي. هكذا وعلى مر التاريخ تجد الأنظمة من  يبرر لها ويدافع عنها ويزين فشلها ويسوغ قمعها. تجدهم يخفون بخبث أساس الصراع الكامن في قمع الحرية وسلب الحقوق وفي سعي المواطن الى انتزاع تلك الحرية والحقوق.

لا احد ينكر منطق الصراع الدولي على مناطق النفوذ، الذي هو منطق مصالح الشركات العابرة للقارات، التي لا تهتم بمصالح الشعوب قدر اهتمامها بتأمين الأسواق لتصريف بضاعتها وخدماتها. وهذا الصراع كان ويبقى واحدا من  تجليات الصراع الطبقي، بين من يفرض هيمنته على العالم بالقوة الغاشمة ناهبا خيرات الشعوب، وبين الشعوب التي تعاني الويلات في دول أفقدتها الحروب والصراعات  الداخلية والاستبداد حقها في التطور ومواكبة العصر.

ويبقى الحديث عن مقاومة الأجنبي وابعاد العراق عن هيمنة الدول الطامعة في موارده، فهذا مطلوب بشدة وهو ممكن جدا، لكن شرطه الأساسي ان يكون المواطن حرا آمنا يتوفر على اسباب العيش الكريم. فلا يمكن لطغمة الفساد ان تصادر حق المواطن في السكن والعمل والطبابة والتعليم وغيرها، وتتركه محتاجا على قارعة الطريق، او ضحية للبطالة والعوز والسكن البائس في العشوائيات، ثم تأتي لتطلب منه ان يقاوم الأجنبي!

وبالعودة الى ذخيرة التجربة التاريخية الفاشلة للأنظمة العربية، وادعائها المخادع مقاومة إسرائيل ومن خلفهم الأمريكان، فقد تم كشف فسادها ولم تتمكن من إخفاء واقع القمع والظلم اللذين تمارسه ضد شعوبها.

ان المقاومة الحقيقية للتدخل والعدوان الخارجيين هي التي تبدأ في الأساس من مقاومة الفساد والجشع والظلم في الداخل. نعم، المقاومة الصادقة هي التي تنطلق أساسا من حفظ كرامة المواطن وتهدف الى المزيد من حفظ هذه الكرامة وصونها.

اترك تعليق


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *