العودة الى دويلات المدن
11 أبريل 2022

العودة الى دويلات المدن

د.كريم وحيد

الماضي لا يبقى بعيداً بعد توثيقه، وأزمات الممالك والمدن وصراعاتها في العصور القديمة والوسطى  لم تختلف كثيرا عنها  في تاريخنا المعاصر و إن اختلفت في أسلوب إداراتها ونوع قياداتها. وبالرّغم من امتلاك هذه الممالك والمدن سيادة كياناتها فقد اتّحد بعضها وشكّل إمبراطوريات وتحالفات سياسية وعسكرية، وأقام بعضها ما يعرف (بدويلات المدن)، أي أنّ كل مدينة كانت تمثل دويلة لها حاكمها وجيشها وأرضها. في كثير من الأحيان كانت هذه المدن أو الدويلات تتقاتل فيما بينها لأسباب  كثيرة مختلفة. عندنا، في بلاد الرافدين، ظهرت حضارات مدن أو دويلات في الألف الثالث قبل الميلاد في عصر ما يسمّى فجر السلالات،  بدءاً بسلالة أور السومرية الأولى في العام 2650 ق.م. وقد شهدت (دويلات المدن) هذه الكثير من الصراعات، كان أغلبها اقتصاديّاً للسيطرة على حصص المياه الزراعية بوصفها عماد الاقتصاد والسّيادة. لقد أنتجت هذه الصـراعات بشكل أو باّخر توجّهاً نحو وحدة سياسية لإنهاء معاناتها ونزاعاتها عندما تبنّى الملك أوما لوكال زاكيزي الدعوة لتوحيد دويلات بلاد سومر وانتهاج حكم مركزي لتقوية الوحدة الداخلية التي تعدّ الركيزة الأساسية لفرض السيادة ومنع الأطماع والتدخلات الخارجية. وجاء النهوض الكبير على يد القائد سرجون الأكدي 2371-2316 ق.م الذي انتزع السلطة من السومريين في العاصمة كيش ووحّد دويلات المدن السومرية كلّها لتضمّ دولته جغرافيّاً الخليج العربي والأراضي العربية حتى البحر المتوسط. امتدّت هذه الصراعات الى تاريخنا المعاصر، وإنّ ممّا يثير الاستغراب التوافق غير المتجانس أيديولوجيّاً بين دول الغرب الاستعماري والدول الاقليمية  المحيطة ببلاد الرافدين و بعض دويلات الأعراب في هاجس القلق من مستقبل استتباب الاستقرار الحتمي لبلاد الرافدين.  لقد جعلت هذه الصراعات المواطن مفتوناً بهاجس الانتماء المناطقي والقبلي والطائفي والإثني والحزبي على حساب الانتماء الوطني، تغذّي هذا الشّعور نوازع شيطانية مؤطّرة بتبريرات ساذجة بأننا مجتمعات متعددة الأطياف والأعراق والمذاهب لا يمكن أن نبني منها وطناً موحداً، علماً إنّ الطوائف والإثنيات والأعراق والمذاهب مجتمعة في بلاد الرافدين لا تعادل جزءاً بسيطاً من  التّنوّع الموجود في دولة واحدة  كالهند، والهند وطن موحّد كبير رغم تنوّعه الكبير. إنّ أجمل وحدة وأمتنها هي وحدة التنوع ضمن الوطن الواحد. والأمة العراقية حتى لوكانت عرقاً واحداً وديناً واحداً وطائفة واحدة فإنّ ثمة من يجد وسيلة لتفرقها واحترابها إذا لم تكن تتمتع بحصانة ذاتية. فهل كان التناحر بعد الرابع عشر من تموز عام 1958 مذهبياً أو عرقياً ؟ أو لم تسل الدماء أنهاراً ؟

لا يمكن  إنهاء الاختلاف ولكن يمكن تنظيمه، وهذا ما تفعله الأمم الحيّة، فهل نطمح أن نكون من هذه الأمم، أم أنّ هذا أصبح أمراً متعذراً وأنّنا نحثّ الخطا صوب دويلات المدن والطوائف؟  ليس الهدف من هذا السرد التحدث عن تاريخ العراق القديم، بل عن تاريخه المعاصر، فمفهوم دويلات المدن عاد من جديد لكن بمسمّيات جديدة:  أقاليم، فيدرالية الجنوب، فيدرالية الوسط و الجنوب.  تنوّعت المسمّيات وكلّها تحمل بذور الانفصال. الأمّة العراقية  ليست رافضة لوضع ديموقراطي يحقّق لشعبها المساواة وتكافؤ الفرص لكنّها ترفض تقسيم وطنها وانتمائها. إنّ ما جمعه العراقيون قبل 3000 سنة يقوم البعض الآن بتفتيته بمحاولات وضع الحواجز أو الأسوار بين مدن العراق أو حتى بين مناطق المدينة الواحدة دون أن يدركوا حجم المخاطر التي ستترتّب على مجتمعنا الواحد من جرّاء ذلك. الشّواهد كلّها تؤكّد أنّ هذه المحاولات مشروع مؤامرة دولية لتقسيم العراق للوصول إلى هدف تمزيقه وتقاسم ثرواته من خلال مشاريع مدروسة بدقة تبدأ بفصل مصالح المحافظات عن بعضها البعض وجعل العلاقة بينها علاقة تنافس تناحري وتحطيم المشاريع المشتركة التي تمثّل العراق لإضعافه تدريجياً وصولاً إلى إنهاء وجوده ومحوه من الخارطة. فبالرغم من وضوح مواد الدستور العراقي في الباب الرابع المتعلّق بـ(صلاحيات الحكومة الاتحادية)، قُدِّم مشروع  “الحرس الوطني” الذي يمثل “جويشات” محافظات ليكون مثالاً مصغّراً لجيش محاصصة طائفي غير واضح الأهداف يتناقض وجوده مع المادة 109 من الدستور العراقي. واندلعت ايضا أزمات المياه بين المحافظات الجنوبية حتّى وصلت إلى إشهار السلاح وإعلان حرب العشائر على مجالس المحافظات و تهديد مزارعي المحافظات الواقعة على نهرَي دجلة والفرات بأسبقية جغرافية لتجاوزها على حصص المحافظات التالية لها، مما اقتضى الطّلب إلى رئيس الوزراء إرسال قوة عسكرية لحل الأزمة في محافظة المثنى. محافظة ميسان في حالة نزاع مع الكوت ومحافظة المثنى تتنازع مع القادسية، بابل ليست خارج النّزاع، و ترقد البصرة  في العطش في غياب المياه العذبة، بينما إيران مستمرّة بقطع دابر أنهارها ومنعها من عبور الحدود الإيرانية إلى مسارها الطبيعي في العراق بالرّغم من أنّها تسمح لمياه البزل المالحة بغزو أراضيه. لقد باتت المحافظات العراقيّة تتصرف  كدول في نزاعات المياه للاستخدامات الزراعية أو المنزلية، ولا فرق بين حالة العراق في محافظاته الفيدرالية و أزمة مياه نهر النيل بعد بناء سد النهضة الإثيوبي وما قد يسفر عنه من تصعيد بين دول المنبع ودولة المصب مصر وكذلك السودان

 إنّ أحد أسباب شحّة المياه وعدم تنظيم حصصها في المحافظات الوسطى والجنوبية هو التجاوزات على حصص مياه الأنهار من قبل مسؤولين وشخصيات متنفذة في الدولة تقوم بالاستحواذ على كميات كبيرة من المياه دون حرص منها أو رادع، حتى تفاقمت هذه الظاهرة وأصبحت تهدد آلاف العوائل بالتهجير ما عدا انتشار الأمراض بين سكان المحافظات. أمّا السبب الرئيس لنقص إيرادات حوضي دجلة والفرات فهو ضعف التنسيق المؤسسي مع الجانب التركي بوصف تركيا دولة المنبع، حيث لم تعمل الدبلوماسية العراقية عن طريق نوافذها الدولية والاقتصادية  للضغط على الجانب التركي لتأمين حصّة العراق المائية ببرنامج طويل تشرف عليه المؤسسات الدولية الممثلة للامانة العامة  للامم المتحدة لضمان الحصص المائية للدول المتشاطئة على نهري دجلة والفرات، بدلاً عن حلول ترقيعية استجدائية مرهونة بسياسة عسكرة المياه

ولقد غابت حالة الانسجام بين المؤسسات الحكومية ومجالس المحافظات و لم تلتزم المحافظات بالمادتين الدستوريتين 111 و 112 وبرزت الخلافات والصراعات بشكل مؤلم عندما دعت محافظة المثنى الحكومة المحلية في محافظة ذي قار إلى الكفّ عن التحركات التي تهدف للسيطرة على الرقعة النفطية المشتركة بين المحافظتين التي تشهد عملية تطوير من قبل شركة لوك اويل الروسية علماً بأنّ حصّة كلّ محافظة محدّدة سلفاً من قبل وزارة النفط. وأوقفت محافظة القادسية تشغيل أجهزة السيطرة عن بعد في محطات نقل الطاقة الكهربائية في المحافظة والتي تجهزالطاقة الكهربائية  لعدد من محافظات الفرات الاوسط للاستحواذ على حصصهم من الطاقة الكهربائية. وانتقل مرض (دويلات المدن) الى الوزارات المعنيّة بشؤون الطاقة فاصبحت وزارة النفط  منفردة بسياستها التي تنصبّ في تطوير قطاع الاستخراج النفطي على حساب تطوير الصناعة النفطية التكريرية واستثمار الغاز الطبيعي بنوعيه الحر والمصاحِب الذي ما يزال يحرق معظمه بكميات تصل الى 1700 مليون قدم مكعب يوميا فضلاً عن عدم ايفاء وزارة النفط بالتزامها بالخطة الوقودية لتشغيل محطات الكهرباء مما اضطر وزارة الكهرباء إلى استيراد كميات من زيت الغاز( الغازولين) بمعدل 3 مليون لتر يوميّاً والتفاوض مع الجانب الإيراني لتجهيز غاز طبيعي بمعدل  1800مليون قدم مكعب في اليوم عبر انبوبين الى المنطقتين الوسطى والجنوبية في العراق لتشغيل محطات انتاج الطاقة الكهربائية. إنّ هذه الكميات المستوردة يوميا تعادل  كميات الغاز الطبيعي المصاحب التي تحرق يوميا والتي يمكنها إنتاج 5500 ميغاواط من الطّاقة الكهربائية يمكن أن تزيد القدرة الانتاجية للكهرباء وتعين على إنهاء ازمتها

 :يحقّ لنا بعد استعراض هذه الفصول أن نتساءل

 هل هناك توجّه الى تفعيل  مشروع بايدن لتقسيم العراق، أم إنّ العراق سيقسّم إلى أجزاء بقدر عدد محافظاته، ما عدا كردستان،  لتعود بلاد الرّافدين (دويلات مدن) كما كانت في عصورها السومرية؟

 عندما نقرأ تاريخ العراق نجد أنّه تعرّض لكثير من الهزّات وخرج منها أكثر وحدة والتحاماً لأنّ شعبه واحد بتاريخه وأرضه ومياهه.  فلا مجال لعودة دويلات المدن التي كانت قبل خمسة آلاف سنة منشغلة بصراعاتها على الأرض والمياه وبسياسة الاستحواذ. إنّ ثروات العراق هي لكلّ أبنائه, و أرض العراق غنيّة  بثروات لا تنضب لا بالنّفط فقط لا سيّما أنّ النفط مادّة ناضبة وزائلة. وتبقى الثّروة الحقيقيّة هي شعب العراق الذي ينتظر أن يخرج منه  فارس ينهض من ركام وطن أنهكته حروب هوجاء ونزاعات طويلة

اترك تعليق


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *